ضفنا لمفضلتك

اضف الموقع لمفضلتك 
أضف الصفحة لمفضلتك 

الأعضاء الجدد

  • admin
  • كايدقاسم
  • سالم1211
  • طالب علم
  • انفاس الغلا

اسم المستخدم

بسم الله الرحمن الرحيم...... هذا من فضل ربي......... ربنا تقبل منا

أسباب تحصيل العلم النافع 1

إن لتحصيل العلم النافع أسبابًا متى توفرت تحقق للعبد مقصوده بإذن الله تعالى، فمن ذلك:

1- تحقيق الإخلاص لله تعالى وقصد وجهه عز وجل وحده بطلب العلم.

قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة : 5] وقال تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف : 110] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلّمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة -يعني ريحها-) صحيح (صحيح الترغيب والترهيب 105) وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء ولا تخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار) صحيح (صحيح الترغيب والترهيب 107) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من طلب العلم ليباهي به العلماء ويماري به السفهاء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار) صحيح (صحيح الترغيب والترهيب 109)

وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى: قال بعض العلماء : "العلم صلاة السر، وعبادة القلب".

وعليه، فإن شرط العبادة إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، لقوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البينة : 5] الآية. وفي الحديث الفرد المشهور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه الإمام البخاري1

فإن فقد العلم إخلاص النية، انتقل من أفضل الطاعات إلى أحطّ المخالفات، ولا شئ يحطّم العلم مثل: الرياء؛ رياء شرك، أو رياء إخلاص، ومثل التسميع؛ بأن يقول مسمعاً: علمتُ وحفظتُ...

وعليه؛ فالتزم التخلّص من كل ما يشوب نيتك في صدق الطلب؛ كحب الظهور، والتفوق على الأقران، وجعله سلّماً لأغراض وأعراض، من جاه، أو مال، أو تعظيم، أو سمعة، أو طلب محمدة، أو صرف وجوه الناس إليك، فإن هذه وأمثالها إذا شابت النية أفسدتها، وذهبت بركة العلم، ولهذا يتعين عليك أن تحمى نيتك من شوب الإرادة لغير الله تعالى، بل وتحمي الحمى.

وللعلماء في هذا أقوال ومواقف:

عن سفيان رحمه الله تعالى أنه قال: كنت أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصُّرة سُلبته.

فاستمسك رحمك الله تعالى بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب؛ بأن تكون - مع بذل الجهد في الإخلاص - شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه.

ويؤثر عن سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى قوله: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي.

وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: يا أبي! مالك إذا وعظتَ الناس أخذهم البكاء، وإذا وعظهم غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بني! ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة.

وفقك الله لرشدك آمين. (حلية طالب العلم ص5)

وحقيقة الإخلاص: هو خلوص القلب لله تعالى وقصد وجهه وحده بالعبادة، وعدم الالتفات إلى شيء مع الله تبارك وتعالى كالتصنّع للمخلوقين، أو اكتساب محمدة عندهم، أو محبة مدح منهم.

2- الاعتماد على الله تعالى والاستعانة به والتبرؤ من الحول والقوة.

قال تعالى حكايةً عن الملائكة عليهم السلام (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)  [البقرة : 32]

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قد أجمع العلماء بالله على أن التوفيق أن لا يكل الله العبد إلى نفسه، وأجمعوا على أن الخذلان أن يخلّي بينه وبين نفسه. ( مفتاح دار السعادة ص403)

وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: لا خفاء بالحاجة إلى التوفيق، ولذلك قيل:

         إذا لم يكن عون من الله للفتى           فأكثر ما يجني عليه اجتهاده

(إحياء علوم الدين ج5 ص471)

وقال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: حرص العبد بغير إعانة الله لا ينفعه. (سبل السلام ج4 ص 207)

وقال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: فإن العلم خير وكثرة الخير مطلوبة وهي من الله، والطريق إليها الاجتهاد والشوق للعلم وسؤال الله والاستعانة به والافتقار إليه في كل وقت. (تفسير السعدي ص514)

4- الدعاء وإظهار الافتقار إلى الله تعالى وسؤاله تعالى العلم النافع، والتعوّذ به من علم لا ينفع.

قال تعالى (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه : 114] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علمًا) صحيح (صحيح ابن ماجه 203) وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم (اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا وعملاً متقبلاً) صحيح (صحيح ابن ماجة 753) وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها) رواه الإمام مسلم 7081

وقال الإمام ابن القيم رحمه لله تعالى: شهدت شيخ الإسلام قدس الله روحه إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فرّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ إليه واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهنّ يبدأ. ولا ريب أن من وُفق لهذا الافتقار علمًا وحالاً، وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد، فقد أعطي حظه من التوفيق، ومن حُرمه فقد مُنع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. (إعلام الموقعين ج4 ص 173-174)

5- أن يدرك بأن مصدر العلم هو الله تعالى وحده، وأن العلم بيده وحده لا يُنال إلا من عنده.

قال تعالى (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد : 29] وعن معاوية رضي الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي) رواه الإمام البخاري 71، والإمام مسلم 2439

6- أن يدرك بأن الذي علّمه ما لم يكن يعلم هو الله تعالى، وأن العلم الذي حصل عليه إنما هو عطية منه عز وجل وهبةٌ وهبه له، وأن الأصل فيه الجهل، فينسب الفضل كله أوله وآخره ظاهره وباطنه فيما حصّله من علم إلى الله العليم جل جلاله.

قال تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) [العلق : 1 - 7] وقال تعالى (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء : 113] وقال تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) [النمل : 15] وقال تعالى حكايةً عن يوسف عليه السلام (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) [يوسف : 101]

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: نفس الإنسان هي في ذاتها جاهلة عاجزة فقيرة كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل : 78] وإنما يأتيها العلم والقدرة والغنى من الله بفضله ورحمته، فما حصل لها من كمال وخير فمن الله، وما حصل لها من عجز وفقر وجهل يوجب الظلم والشر فهو منها ومن حقيقتها. (طريق الهجرتين ص175)

7- أن يحترس من أن يتحوّل العلم في حقه من نعمة إلى نقمة وفتنة، ويكون تحصيله وبالاً عليه، ونيله سببًا في هلاكه وشقائه.

عن وكيع قال: قالت أم سفيان لسفيان: اذهب، فاطلب العلم، حتى أعولك بمغزلي، فإذا كتبت عدة عشرة أحاديث، فانظر هل تجد في نفسك زيادة فاتبعه، وإلا فلا تتعنّ. (سير أعلام النبلاء ج13 ص310)

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فالله تعالى أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئاً ولا يقدر على شئ، ولا يملك شيئاً، ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شئ البتة، فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كما له أمراً مشهوداً محسوساً لكل أحد، ومعلوم أن هذا له من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها، وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى ، بل لم يزل عبداً فقيراً بذاته إلى بارئه وفاطره.

فلما أسبغ عليه نعمته ، وأفاض عليه رحمته ، وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهراً وباطناً ، وخلع عليه ملابس إنعامه ، وجعل له السمع والبصر والفؤاد ، وعلّمه وأقدره وصرَّفه وحرَّكه ، ومكّنه من استخدام بني جنسه ، وسخر له الخيل والإبل ، وسلّطه على دواب الماء ، واستنزال الطير من الهواء ، وقهر الوحوش العادية، وحفر الأنهار ، وغرس الأشجار، وشق الأرض ، وتعلية البناء، والتحيّل على جميع مصالحه ، والتحرز والتحفظ لما يؤذيه ، ظن المسكين أن له نصيباً من الملك ، وادعى لنفسه ملكاً مع الله ، ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر الحاجة ، حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج ، بل كأن ذلك شخصاً آخر غيره،كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم بزق يوماً في كفه، فوضع عليها إصبعه ، ثم قال: (قال الله عز وجل: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ، حتى إذا سوّيتك وعدلتك مشيت بين بردين ، وللأرض منك وئيد ـ أي صوت وطء القدم ـ فجمعتَ ومنعتَ ، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق ، وأنَّى أوانُ الصدقة) صحيح (مختصر الصحيحة1878) ومن هاهنا خُذل من خُذل ، ووفِّق من وفِّق ، فحُجب المخذول عن حقيقته وأُنسي نفسه ، فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وعتا، فحقت عليه الشقوة، قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)[العلق : 6 ، 7] وقال تعالى (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) [الليل : 5 - 10] فأكمل الخلق أكملهم عبودية، وأعظمهم شهوداً لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه تعالى وعدم استغنائه عنه طرفة عين. ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم ( أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك) صحيح (مختصر الصحيحة2942)، وكان يدعو ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) صحيح (صحيح الجامع4801) يعلم صلى الله عليه وسلم أن قلبه بيد الرحمن عز وجل لا يملك منه شيئاً ، وأن الله عز وجل يصرفه كما يشاء،كيف وهو يتلو قوله عز وجل (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) [الإسراء : 74]

فضرورته صلى الله عليه وسلم إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به ، وحسب قربه منه ومنزلته عنده.وهذا أمر إنما بدا منه صلى الله عليه وسلم لمن بَعده ما يرشح من ظاهر الوعاء، ولهذا كان أقربَ الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم عنده جاهاً، وأرفعهم عنده منزلة، لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه عز وجل، وكان يقول لهم ( أيها الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي إنما أنا عبد) صحيح (مختصر الصحيحة 3435)، وكان يقول (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبدالله ورسوله ) رواه الإمام البخاري 3445 والإمام مسلم 5/1691، وذَكرهُ الله عز وجل بسمة العبودية في أشرف مقاماته: مقام الإسراء ومقام الدعوة، ومقام التحدي فقال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء : 1] وقال تعالى (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) [الجن : 19] وقال تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)   [البقرة : 23] وفي حديث الشفاعة (ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) رواه الإمام البخاري6565 والإمام مسلم 322/193، فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله وبكمال مغفرة الله تعالى له. فتأمل قوله تعالى في الآية (أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ) [فاطر: 15] فعلّق الفقر إليه باسمه "الله" دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر، فإنه كما تقدم نوعان: فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها ، وفقر إلى ألوهيته ، وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين، وهذا هو الفقر النافع، والذي يشير إليه القوم ويتكلمون عليه، ويشمرون إليه هو الفقر الخاص لا العام. ( طريق الهجرتين ص27ـ32)  

ويقول الألبيري رحمه الله تعالى في قصيدته التي يوجّه فيها نصحه لابنه:

            إذا ما لم يفدك العلم خيرًا * * * فخير منه أن لو قد جهلتا

            وإن ألقاك فهمك في مَهاوٍ * * * فليتك ثم ليتك ما فهمتا

(ديوان الألبيري ص 25)

8- أن يدرك بأنه مهما بلغ من العلم فإن فوقه من هو أعلم منه.

قال تعالى (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف : 76] وعن كعب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل جاءه رجل ، فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه فجعل الله له الحوت آية وقيل له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ، وكان يتبع أثر الحوت في البحر فقال لموسى فتاه ( أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) [الكهف : 63 ، 64]  فوجدا خضرًا، فكان من شأنهما الذي قصّ الله عز وجل في كتابه. رواه الإمام البخاري 74

9- استشعار رقابة الله عز وجل على الدوام وملازمة خشيته تعالى.

قال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [البقرة : 235] وقال تعالى (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة : 78] وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية) رواه الإمام البخاري 6101، والإمام مسلم 6255، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية. (الدر المنثور ج12 ص281) وعنه رضي اللّه عنه قال: كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار باللّه جهلاً.(الإيمان لابن تيمية ج2 ص 23) وقال أَحمد بن يونس يقول سمعت سفيان الثوري يقول: ليس طلب العلم فلان عن فلان، إنما طلب العلم الخشية لله عز وجل. (حلية الأولياء ج6 ص370)

10- التحلّي بالتواضع ولين الجانب.

قال تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر : 88] وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) رواه الإمام مسلم 7389، وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (العزُّ إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته) رواه الإمام مسلم 6846، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من تواضع لله رفعه الله) صحيح (صحيح الجامع 6162)

وقال مجاهد رحمه الله تعالى: لا يتعلّم العلم مستحىٍ ، ولا مستكبر. رواه الإمام البخاري/ باب الحياء في العلم

وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى: احذر داء الجبابرة: (الكبر)، فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عصي لله به، فتطاولك على معلمك كبرياء، واستنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وتقصيرك عن العمل بالعلم حمْأة كِبر، وعنوان حرمان.

            العلم حرب للفتى المعالي ... ... كالسيل حرب للمكان العالي

فالزم - رحمك الله - اللصوق إلى الأرض، والإزراء على نفسك، وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء أو غطرسة أو حب ظهور أو عجب.. ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره، وكلما ازددت علماً أو رفعة في ولاية، فالزم ذلك، تُحرز سعادة عظمى، ومقاماً يغبطك عليه الناس.

وعن عبد الله ابن الإمام الحجة الراوية في الكتب السنة بكر بن عبد الله المزني رحمهما الله تعالى قال:

"سمعت إنساناً يحدث عن أبي، أنه كان واقفاً بعرفة، فرقّ، فقال: لولا أني فيهم، لقلت: قد غفر لهم". خرّجه الذهبي. ثم قال: "قلت: كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها"ا هـ. (حلية طالب العلم ص7)

11- إظهار الشوق والحرص على العلم.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقًا فيسكن لذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك) رواه الإمام البخاري 1، وعن عمر رضي الله عنه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يومًا وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك. رواه الإمام البخاري 89، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قيل يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه ، أو نفسه) رواه الإمام البخاري 99، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا. رواه الإمام مسلم 21

وقال الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه : 114] لما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم على تلقف الوحي ومبادرته إليه تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم، فإن العلم خير وكثرة الخير مطلوبة، وهي من الله، والطريق إليها الاجتهاد والشوق للعلم سؤال الله والاستعانة به والافتقار إليه في كل وقت. (تفسير السعدي ص 514)